القفطان المغربي يدخل التاريخ من بابه الواسع
اليونسكو تنتصر للأصالة وتُدرج أيقونة اللباس المغربي ضمن التراث العالمي
بقلم: فريق تحرير minm.ma
في لحظة تاريخية طال انتظارها، وخلال أشغال اللجنة الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي المنعقدة في الهند، صادقت اليونسكو رسمياً على إدراج القفطان المغربي ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لسنة 2025.
بهذا القرار، يلتحق القفطان بقائمة من العناصر المغربية التي سبق الاعتراف بها عالمياً مثل كناوة، والكسكس، وتبوريدة، والحناء، وطاسيكيوين، والأركان وغيرها، ليشكّل أحدث إضافة في سجلّ طويل من الانتصارات الثقافية للمغرب.
أولاً: قرار أممي يكرّس تفرّد اللباس المغربي
اعتماد القفطان المغربي في قائمة التراث غير المادي جاء بعد دراسة ملف مفصّل قدّمته المملكة تحت عنوان «القفطان المغربي: فنون، تقاليد، ومهارات»، أعدّته وزارة الشباب والثقافة والتواصل بتعاون مع عدد من الباحثين والحرفيين.
الملف أبرز أن القفطان ليس مجرد لباس احتفالي، بل تراث حي يضم:
- معارف تقنية دقيقة في النسج، والصباغة، والقص، والتطريز.
- شبكة واسعة من الحرفيات والحرفيين (تكنولوج، طرّازات، صانعات سفيفة وعقاد، مصمّمين…) يشتغلون في المدن والقرى.
هذا الإدراج يشكّل آلية حماية رسمية ضد محاولات الاستحواذ الثقافي التي استهدفت القفطان، حيث حاولت أطراف خارجية توظيف صور لقطع مغربية في ملفات لا تعود لها.
ثانياً: القفطان على أرض تامازيغت
القفطان في صورته المغربية وُلد وترعرع فوق أرض أمازيغية؛ حيث طوّر الأمازيغ ذائقة جمالية خاصة:
🔹 الهندسة البصرية
الأشكال المثلثة والمعيّنة التي تزيّن الزرابي والأبواب، تنتقل بدقّة إلى أقمشة القفطان كأنها نقوش مطرّزة.
🔸 تناغم الألوان
الأخضر الزيتوني، الأزرق النيلي، الأحمر القاني.. ألوان مستوحاة من السماء والجبال والتراب.
💍 حضور الفضة
الحزام والمجوهرات المرافقة للقفطان هي استمرار لثقافة فضية عريقة في مناطق سوس والأطلس.
بهذا المعنى، القفطان المغربي هو ترجمة حضرية راقية لخيال أمازيغي.
ثالثاً: الذاكرة السياسية والحضارية للقفطان
تاريخ المغرب السياسي، من الدول الوسطى إلى الدولة العلوية، عرف دائماً حضوراً قوياً للقبائل الأمازيغية. تطوّر القفطان تدريجياً ليصبح اللباس الرسمي في البلاطات السلطانية، ثم اللباس الاحتفالي للأسر الميسورة.
كل مرحلة تاريخية أضافت شيئاً للقفطان:
- تغيّرات في القصّات (الواسعة والضيقة).
- استعمال أنواع جديدة من الأقمشة (مخمل، حرير، بروكار).
- تطوّر في تقنيات التطريز والزخرفة.
لذلك يمكن اعتبار كل قفطان وثيقة سياسية وحضارية نرتديها.
رابعاً: “المعلّم” و“المعلّمة” … سلسلة أيادٍ تحفظ السرّ
الاعتراف الأممي موجَّه بالدرجة الأولى إلى من يقفون وراء القفطان في الظل. مراحل إنجاز القفطان:
النسيج: اختيار الخيط والعمل على الأنوال.
الصباغة: منح القماش شخصية لونية خاصة.
القص والتفصيل: رسم الباترون بدقة عالية.
السفيفة والعقاد: جدل خيوط الحرير وصنع الأزرار.
التطريز (الطرز): اللمسة الفنية (فاسي، رباطي، تطواني…).
هذه المعارف لا تُكتسب في المدارس، بل تنتقل في الورشات العائلية وعبر التكوين غير الرسمي.
خامساً: مدارس القفطان على خريطة المغرب
حدّد الملف خمس مدارس رئيسية، مما يؤكد أن القفطان ليس نموذجاً جامداً، بل عائلة واسعة من الأشكال:
🏛️ القفطان الفاسي
ثقل القماش، زخارف ذهبية وفضية، والطرز الدقيق (النطع).
🌿 القفطان الرباطي
الانسجام اللوني، النعومة، ونقوش نباتية دقيقة.
☀ القفطان المراكشي
ألوان جريئة (أحمر، برتقالي)، حزام عريض، وزخارف قوية.
🌊 القفطان التطواني
تأثير متوسطي، ألوان باردة، وتداخل مع “الكسوة الكبيرة”.
💎 القفطان الوجدي
حضور المخمل، الألوان الداكنة، والمجوهرات الكبيرة.
سادساً: القفطان في قلب التراث غير المادي
يرتفع عدد العناصر المغربية في اليونسكو إلى أكثر من 15 عنصراً. القفطان الآن يقف إلى جانب:
(الحناء 2024، الملحون 2023، النخيل 2022، التبوريدة 2021، الكسكس 2020، كناوة 2019…)
📊 تسلسل الاعتراف الأممي بالتراث المغربي
جامع الفنا
2008
الأركان
2014
كناوة
2019
التبوريدة
2021
القفطان
سابعاً: البعد الاقتصادي… القفطان رافعة تنمية
اليونسكو لا تمنح “وسام جمال” فحسب، بل اعترافاً يُستثمر اقتصادياً:
ثامناً: القفطان في زمن الرقمنة والمهجر
في عصر المنصات الرقمية، لم يعد القفطان حكراً على صالونات الأعراس؛ صار حاضراً بقوة في:
- حسابات المؤثرات المغربيات وتطبيقات التواصل.
- مواقع التجارة الإلكترونية العالمية.
- حفلات الجاليات المغربية في الخارج.
بالنسبة للمهاجرين، ارتداء القفطان هو تصريح هويّاتي يقول: “نحن من هنا… من هذه الأرض”.
تاسعاً: موقع minm.ma… حين تُروى الحكاية
يضع موقع minm.ma – صنع في المغرب نفسه في قلب هذه المعركة الثقافية:
- التعريف بالحرفيين الحقيقيين.
- إبراز القفطان كجزء من منظومة تراثية شاملة.
- تشجيع اقتناء القطع الأصلية، لأن كل درهم يُنفق على قفطان أصيل هو استثمار في استمرارية حرفة وحماية هوية.
ختاماً: من خيط الحرير إلى خيط الهوية
اليوم، تبتسم المدن العتيقة وتزغرد النساء. القفطان هو خلاصة تامازيغت المتجذّرة، ورسالة موقّعة بخيط الحرير تقول إن “صنع في المغرب” هو عهد بحماية ذاكرة شعب ونقلها للأجيال القادمة.
